
كعادتها دائماً مليئة بالنشاط ، وبحماس الشباب وابتسامة أمل تزين ملامح وجهها الغضّة ،
انطلقت نحو عملها الجديد وبعينيها ثقة وطاقة تسع "موقف الحافلة" الذي اكتظ بعدد غير قليل من الطلبة والموظفين ..
كانت تعرف أنها ستنتظر كثيراً فأخذت تذكر الله متجاهلة كلمات الإعجاب والإطراء التي كانت تنطلق من خلفها ،
وبحركة عفوية نظرت بجانبها لتعرف أن هذه المعاكسات لم تكن لها !
بل كانت للجميلة بجوارها والتي كشفت عمّا تيسر لها كشفه من جسدها ،
وقبل أن تتمنى أن تصل الحافلة سريعاً لتخلصها من مشهد يثير الإشمئزاز جاءها صوت أحدهم من خلفها "بعد إذنك يا حاجة" أفسحت له الطريق وهي تراجع تاريخ ميلادها لتكتشف أنها لم تتخطى العشرين بعد ومع ذلك فقد فازت بلقب "الحاجة " مبكرا ً ...
"لا بأس" تمتمت وهي تصعد إلى الحافلة فقد أنساها فرحها بالمقعد الخالي سخافات الكثيرين ...
ولم تطل لحظات سرورها لتترك مقعدها لامرأة عجوز ، وتقف هي تنعي رجولة القاعدين والذين تظاهروا إما بالنوم أو بالنظر إلى النافذة ..
وما إن صعدت الحافلة إحدى الفاتنات حتى هبّ الجميع وقوفاً كل يريد أن يجلسها مكانه !
ضحكت بحسرة زادها ألم قدميها التي تفتّرت من الوقوف ، رمقت الركاب وقد التوت رقابهم نحو الجالسة يلتهمونها بنظراتهم وكأنهم يأخذون منها ثمن جلوسها !
ولم ينقذها من تفكيرها سوى وصول الحافلة ،
أسرعت إلى عملها متناسية مشقة اللحظات السابقة ، توقفت قليلاً تصلح من حالها ..
تذكرت أمها وهي تلح عليها لكي تخلع حجابها فتتزوج سريعاً .. تذكرت كذلك رفضها الشديد وإصرارها على الحجاب ،
نفضت الأفكار عن رأسها فقد وصلت إلى مقر عملها الجديد ..
أدارت عينيها في المكان ثم توجهت سريعاً لتتسلم وظيفتها ..
رمقها المدير بنظرة استغراب عرفت سببها حين نظرت حولها .. كانت هي المحجبة الوحيدة وسط عدد من الخليعات بملابس مثيرة ...
أصرت على البقاء رغم أن نظراتهم جميعاً كانت تقول لها : ليس لك مكان هنا !
لا تدري لماذا قفز إلى رأسها عريسها السابق الذي عندما عرفت أمه أن عروس ابنها لن تخلع حجابها في الحفل أصرّت على فسخ الخِطبة ..
تذكرت لوم أصدقائها .. حسرة أمها التي تراها دائماً في عينيها .. البعثة التي كانت ستنالها لولا الحجاب ..
العائلة .. الأصدقاء .. الشارع .. النادي .. العمل
متاعب في كل مكان !
أفاقت من تخيلاتها واستعاذت فانزوى شيطانها
وبثقة وثبات قامت تعيد شعيرات ذهبية نفرت من حجابها ، وتمتمت بابتسامة راضية :
" الله خير وأبقى" !